الثورة المعلوماتية و أبعادها السيكولوجية - علم النفس

23 أبريل 2020

الثورة المعلوماتية و أبعادها السيكولوجية


 الثورة المعلوماتية أبعادها السيكولوجية
   قبل القرن العشرين لم يكن حتى أكبر المتفائلين يستطيع أن يتنبأ بالمستوى الذي وصل إليه العلم في عصرنا، فقد كانت قدرة الإنسان على التواصل محدودة جدا، لم يكن بإمكانه معرفة أخبار أقرب حدث إليه، لأنه كان يعتمد الطرق البدائية المتاحة  في ذلك العصر، لكن بداية القرن المنتهي شهدت أكبر ثورة في المجال العلمي، قد توجت باكتشاف عظيم غير مجمل مجريات حياة الإنسان،  و نقله الى عالم أخر لم يكن يتصوره أبدا. هذا الحدث التاريخي المتميز تمثل في اختراع الحاسوب، الذي شكل بداية لمرحلة  جديدة مهدت الطريق لثورة معلوماتية، انعكست بشكل مباشر على السمات النفسية  للفرد و المجتمع معا، الأمر الذي يضعنا في مواجهة العديد من 
الأسئلة، من قبيل: ما هي الانعكاسات السيكولوجية للثورة المعلوماتية؟
الثورة المعلوماتية أبعادها السيكولوجية
source: pixabay
   
  إن تأمل الإشكال بعمق يجعلنا نقر بتشعبه، وامتداداته اللامتناهية، التي تضع الفلاسفة و علماء الاجتماع و علماء النفس على وجه التحديد أمام إحراجات علمية وفلسفية جديدة، غير مألوفة في أروقة الفكر، مما يجعل الفلسفة و العلم على أبواب تحديات من نمط مختلف. من المؤكد أن استقراء الواقع يمكننا من إدراك مدى تأثير هذا التحول التقني على العلاقات الانسانية، التي كانت تبنى في مجملها على التواصل المباشر، مما يمنحها قدرا كبيرا من المثانة و الصلابة، و يحدها ضمن نطاق جغرافي معروف، وهذا يقلص من سرعة اتساعها و يجعلها مضبوطة و منظمة. لكن هذه العلاقة ستعرف تحولا جذريا  في شكلها و مضمونها، حيث أصبحت خاضعة لنمط جديد من التواصل أتاحته لنا تلك الثورة العلمية، و المفارقة العجيبة في التحول كونها تفصح عن علاقة تناسبية غريبة، فكلما زاد نطاق تواصل الإنسان كلما أصبحت مساحة انعزاله أوسع.
        هذا الوضع  بطبيعة الحال عزز لدى الفرد  مجموعة  من الاضطرابات النفسية، الناتجة عن افتقاده لعلاقة انسانية حقيقية في ظل انشار العلاقات الافتراضية، التي قادته نحو الانغلاق على الذات، و قلصت من تفاعله المباشر مع الغير، و صار يعيش عزلة كبيرة في مجتمع افتراضي شاسع، ومن شأن هذه التأثيرات السيكولوجية أن تقلل من قدرة الأفراد على الاندماج في المجتمع، و من بناء علاقات حقيقية مع الأخرين، و ذلك قد يقودنا  نحو الفردانية المفرطة و يجعل مسألة التعايش تطرح تحديا كبيرا في المستقبل القريب.
   إذا نظرنا الى الهوية النفسية في ظل هذه الثورة المعلوماتية  فإن الوضع يصبح أكثر تعقيدا، بحيث تغدو متأرجحة بين الواقعي و الافتراضي، و قد أشارالى ذلك لوتشيانو فلوريدي  في كتابه "الثورة الرابعة"، مبرزا أن الذات الاجتماعية هي القناة الرئيسية التي من خلالها تمارس تكنولوجيا المعلومات و الاتصال، و بخاصة وسائط الاعلام الاجتماعي، تأثيرا عميقا في هوياتنا الشخصية. إنها تغير الظروف التي تعيش فيها، و تعدل ما تتمتع به من شبكة علاقات و تدفق للمعلومات، وبشكل غير مباشر تعيد تشكيل طبيعة العلاقة و نطاق القيود و القدرات التي تحكم تقديم ذاتك الى العالم و الى نفسك، و من ثم ربما يجري تحديث جدري لذاتك الاجتماعية، ينعكس على تصوراتك الذهنية عن ذاتك، و هو ما يفضي الى إعادة تشكيل هويتك الشخصية.     

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق