الدراسات المعرفية للذكاء و القدرات العقلية - علم النفس

15 يونيو 2020

الدراسات المعرفية للذكاء و القدرات العقلية


الدراسات المعرفية للذكاء و القدرات العقلية

     مند بداعية الستينات عرف مجال علم النفس تحولا جذريا، بعدما كان الاتجاه السلوكي مسيطرا على الدراسات النفسية و مهيمنا على قوانين تفسير السلوك البشري،  سوف يلحظ بعض علماء النفس مدى القصور الذي تعانيه نظريات التعلم السلوكية التي ركزت على التفسير الآلي و اقتصرت على دراسة الأشكال الدنيا للتفكير، لكنها فشلت في تفسير الأنماط الأكثر تعقيدا، الأمر الذي جعل محاولة تجاوزها مسألة حتمية، و لعل أعمال نعوم تشومسكي كانت تمهيدا لذلك، فقد وجه نقده لكتاب" السلوك اللفظي" لسكينر، من خلال إثباته عدم قدرة المتعلم على اكتساب اللغة اعتمادا على مبادئ  التعزيز و العقاب، باعتبار أن العقل البشري كيانا ديناميا قادرا على توليد قواعد اللغة و تصحيحها و إلغاؤها أن اقتضى الحال، وهذا التحول كان تمهيدا لظهور علم النفس المعرفي، من خلال تسليط الضوء على العديد من القدرات العقلية العليا كالإدراك، الانتباه، الذاكرة، اللغة...، و بالمثل سار هذا التوجه العلمي نحو دراسة الذكاء، محاولة منهم لفهم العمليات العقلية و آليات اشتغالها.
الدراسات المعرفية للذكاء و القدرات العقلية
source: pixabay

الذكاء و القدرات العقلية:

     يحاول علماء النفس منذ نهاية الستينات وبداية السبعينات، اتباع توجه جديد في دراستهم لموضوع الذكاء، من خلال تركيزهم على معالجة المعلومات، و قد أصبح الإطار المرجعي المنظم لهذه الدراسة مستمدا من نظريات علم النفس المعرفي، و من المعروف أن هذا التوجه المعرفي المعاصر يقتضي تتبعا دقيقا لمختلف العمليات العقلية التي يعتمدها الفرد في حل المشكلات واكتساب المعرفة، معنى ذلك أن هؤلاء العلماء  يهدفون الى تفسير السلوك الذكي من خلال فهمهم للعمليات الأولية الخالية من المحتوى، مما يؤدي يمكنهم من وصف الفرد في ضوء مستوى وظيفة أدائه العقلي.
قد كان توجه علم النفس المعرفي في دراسة موضوع الذكاء البشري، محاولة جادة لفهم كيفية حدوث السلوك الذكي بدلا من مجرد تتبع الفروق الفردية في الأداء كما هو الحال عند رواد القياس النفسي للذكاء، من أمثال سبيرمان، بينيه و بيرت، الذين كرسوا جهدهم الفكري للبحث في طرق قياس الذكاء، باستخدام اختبارات التمييز  الحسي و زمن الرجع.

مستويات الدراسة المعرفية للذكاء:

    إن مسألة التداخل بين الاتجاهات الفكرية فيما يخص البحوث المرتبطة بموضوع الذكاء، و وفقا للأطر النظرية والافتراضات المسبقة التي يتبناها الباحثون، برز الاختلاف بينهم  و تحديدا حول طبيعة المكونات التي يفترض دراستها، إضافة الى كفاءة هذه المكونات المفترضة و المسؤولة عن الأداء الذكي، مما أدى الى بروز عدة مستويات الدراسة المعرفية للذكاء:

العمليات المعرفية الأولية:

       يهتم علماء النفس المعرفي في دراستهم لموضوع الذكاء بالعمليات المعرفية الأولية، و تعبر هذه العمليات عن قدرات ثابتة و حدود بنائية ذات طبيعة عامة و مشتركة  بين جميع الأفراد، و بناء على ذلك يفترض هؤلاء العلماء و جود عمليات عقلية أولية التي يؤدي تتابعها  الى إنتاج السلوك البشري المعقد، فالعقل كنظام لمعالجة المعلومات يعتمد على كفاءة العمليات الأولية، و هنا بالضبط يبرز الدور الفعال لهذه العمليات و مهارات المعالجة في تحديد السلوك الذكي، و تبعا لذلك عمل العديد من علماء النفس على تحليل الفروق الفردية و التغيرات الناتجة عن النمو و التعلم و غيرها من المتغيرات.

السرعة العقلية:

      من المعروف أن البحوث المرتبطة بهذا المستوى تقوم على افتراض وجود عامل عام "g" مسؤول عن الارتباط بين مقاييس الذكاء المختلفة، و يرجع التباين في هذا العامل الى سرعة و كفاءة أداء بعض مهام زمن الرجع، مما يظهر فروقا ترتبط بالذكاء العام، بالتالي فإن الأفراد الأكثر ذكاء هم الذين تكون استجاباتهم أسرع من الآخرين.   

الانتباه:

    يمثل الانتباه أحد العوامل المهمة و المؤثرة في الفروق الفردية على مستوى الذكاء، و يبنى هذا الحكم على ملاحظة قديمة في علم النفس، و تفيد هذه الملاحظة أن الأفراد الأكثر ذكاء ينتبهون للمثيرات البيئية بشكل أكثر كفاءة، و قد أشار وليام جيمس الى هذه العلاقة المتناسبة بين الانتباه والذكاء: فكلما زادت المرونة الانتباهية  زاد درجة الذكاء.

الاستراتيجيات المعرفية:

      يعتبر مفهوم الاستراتيجية من المفاهيم الشائعة في علم النفس، لكنه يلفه الغموض و نادرا ما يتم تعريفه من قبل علماء النفس، و بشكل عام يحيل على الفروق  الكيفية بين الأفراد في عمليات ضبط و التنظيم، و ليس فقط النوحي البنائية. بكل تأكيد فإن تنظيم العمليات المعرفية يؤدي الى أداء فعال، إذ أن معرفة كيفية استخدام الإمكانات و القدرات في أداء المهام المختلفة و توظيفها بشكل فعال له أثر إيجابي على معامل الذكاء.
      إن الدراسات المعرفية للذكاء و القدرات العقلية ارتبطت بعدة مستويات، غير أن الغاية من هذه الدراسات تمثلت في سعي علماء النفس لفهم قدرات الفرد في تنفيد المهام ومعالجة المثيرات التي ترد عليهن وفقا للعديد من المتغيرات التي تتدخل في هذه العملية و التي تحدد مستوى ذكاء الأفراد، لذلك فإن افتراض و جود متغيرات أخرى يبقى مسألة لا مهرب منها.   
             

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق