المحور الأول: المعرفة التاريخية - علم النفس

7 مارس 2021

المحور الأول: المعرفة التاريخية



 مفهوم:  التاريخ

مدخل:

     يمثل البعد التاريخي إحدى السمات الأساسية التي يتسم بها الوجود البشري. فالإنسان بخلاف بقية الكائنات، لا يعيش منغلقا في لحظة الحاضر، بل يستطيع العودة الى الماضي لتمثل حوادثه و التوجه نحو المستقبل لتحقيق طموحاته، لذلك نجده قد سعى الى تدوين ماضيه بغرض الحفاظ على تراثه و أخذ العبرة منه. من هنا، فالتاريخ علم من العلوم الإنسانية لكونه يعني بدراسة الحادثة التاريخية باعتبارها ظاهرة تحمل دلالات إنسانية، أي أنها تدل على ما حدث للإنسان في الماضي و ترك أثرا في وجوده، سواء كان هذا الحادث طبيعيا  أو اجتماعيا أو سياسيا  أو فكريا....

    فالتاريخ إذن علم يهتم بتناول أحداث الماضي الإنساني، و العمل على فك شفراتها عبر استنطاق الوثائق و الآثار المرتبطة بها، بهذا تكون الحادثة التاريخية واقعة مستحضرة لا معاشة من طرف المؤرخ، هذه المسافة الزمنية التي تفصله عن موضوعه تطرح مفارقة إبستيمولوجية تتعلق بطبيعة المعرفة التاريخية، هل هي معرفة علمية موضوعية تتأسس على منهج خاص أم هي مجرد سرد، حكي و رواية؟

و بالنظر الى سيرورة الأحداث التاريخية و ما تشهده من تقدم أحيانا و تكرار أحيانا أخرى تبعا للعوامل المنتجة لها، يمكننا التساؤل: ما طبيعة السيرورة التاريخية؟ هل ذات طابع تسلسلي متصل أم تحكمها الطفرات و التراجعات؟ و ما الدور الذي يلعبه الإنسان في هذه الحركية؟


المحور الأول: المعرفة التاريخية

مفهوم التاريخ، المحور الأول المعرفة التاريخية

 

 

تحليل نص ريمون آرون: كتاب منار الفلسفة

المفاهيم الأساسية:

التاريخ: واقع إنساني حدث في زمن ماض، و يلعب دورا أساسيا في فهم الحاضر و استشراف المستقبل.

آثار:  مصطلح يشير الى مخلفات الماضي الإنساني سواء كان ماديا أو رمزيا.

المثالية: تيار فلسفي يمنح للأفكار أو للفكرة وجودا فعليا و سابقا على ما هو مادي.

مضامين النص:

  1- يرى آرون أن الواقع الذي نعيشه سوف يصبح من الماضي، لكن ما يخضر فيزيائيا سوف يتحصر في الوثائق و الآثار التي تم جمعها تبعا لإرادة التاريخ أولا و المؤرخ ثانيا، و هنا تطرح إشكالية المعرفة التاريخية.

  2- يؤكد آرون أن عائق المسافة بين الماضي و الحاضر يجعل موضوع التاريخ واقعا لم يعد له وجود، الأمر الذي يصعب مأمورية المؤرخ في الوصول الى معاني و دلالات الأحداث التاريخية.

    

 

موقف ريمون آرون:

      ينصب تركيز ريمون آرون على عائق المسافة الزمنية التي تفصل المؤرخ عن الحدث التاريخي الذي يطمح الى استعادته في الحاضر المعيش، غير أن هذا الطموح يصطدم بالعائق الزمني الذي يضع مسألة فهم دلالات الحدث التاريخي في خانة اللاممكن. فالواقع المعاش يمكن إدراكه بشكل تلقائي، أما الماضي فيتعذر الوصول الى معانيه بشكل دقيق، و بالتالي تظل المعرفة التاريخية مستعصية في شموليتها، مما يضفي عليها طابع النسبية...

المناقشة: 

موقف ماكس فيبر:

    يقارب ماكس فيبر هذا الإشكال من خلال تسليط الضوء على موضوع التاريخ، المتمثل في الحوادث التاريخية التي تتميز في نظره بالكثافة من جهة، الشيء الذي يجعلها تطرح صعوبة الإحاطة بها بكل تفاصيلها مهما بلغت قوة المنهج المعتمد و صرامته، و من جهة أخرى، كون وقائع الماضي عبارة عن حوادث متفردة لا تسمح بالتوصل الى قوانين ثابتة متحكمة فيها، بخلاف العلوم الحقة التي تجاوزت هذا العائق.

فضلا عن الصعوبات الموضوعية المرتبطة بالمعرفة التاريخية، فإن العوامل الذاتية تنزل بثقلها في توجيه عملية التفسير التي يقدمها المؤرخ، خصوصا ما يتعلق بالجانب الإيديولوجي الذي يجعله يعمل على انتقاء الأسباب المفسرة للحوادث التاريخية، حيث تطغى القيم و الأحكام الذاتية في تسبيق عامل على آخر.  

         

موقف بول ريكور:

      يحاول بول ريكور إضفاء الصفة العلمية على المعرفة التاريخية،  من خلا تأكيده على الخصوصية التي تميز هذا المجال المعرفي عن باقي المجالات المعرفية الأخرى، و مكمن ذلك في كونها لا تنصب على معطيات جاهزة مثل ما نجده في العلوم الحقة، بل إن المعرفة التاريخية يتم بناؤها اعتمادا على منهج خاص يقوم على استنطاق مخلفات الماضي من آثار و وثائق، من خلال إعطائها دلالة بالاعتماد على منهج مضبوط و دقيق يمارس من خلاله المؤرخ الملاحظة و النقد...و بكل تأكيد فإن هذا العمل المنهجي لا تقل قيمته العلمية عن المنهج المعتمد في العلوم الحقة، سوى أنه يستحضر خصوصية الظاهرة التاريخية.

إن خصوصية موضوع التاريخ و منهجه تقتضي النظر الى المعرفة التاريخية من خلال معيار لا يخضع بشكل مطلق لمعنى الموضوعية المتعارف عليه في مجال العلوم الحقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق